منتديات خالد عبدالناصر

إذا كنت تحب السرور في الحياة فاعتن بصحتك، وإذا كنت تحب السعادة في الحياة فاعتن بخلقك، وإذا كنت تحب الخلود في الحياة فاعتن بعقلك، وإذا كنت تحب ذلك كله فاعتن بدينك.


    ضوابط شرعية في الرد على المخالف

    شاطر


    نقاط : 0
    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    ضوابط شرعية في الرد على المخالف

    مُساهمة   في الثلاثاء مايو 04, 2010 3:34 pm


    منتديات خالد عبدالناصر تقدم
    الضوابط الشرعية فى الرد على المخالف

    ضوابط شرعية في الرد على المخالف:

    قبل الشروع في الرد على المخالف - سواء كان مشافهة أو كتابة - فلا بد من مراعاة الضوابط الشرعية حتى يؤتي الرد ثمرته المطلوبة ولا يؤدي إلى مفاسد شرعية تربو على مفاسد ترك الرد.
    ومن أهم هذه الضوابط ما يلي:
    أولاً : اتصاف الرَّاد بالعلم الشرعي الصحيح الموافق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وبخاصة في المسألة المراد الرد عليها ومناقشتها، وأن يكون الكلام بعلم ودليل، ومأخذ صحيح في الاستدلال؛ ومن ذلك التوثق والتثبت من كلام المردود عليه من كتبه أو كلامه لا من الظنون وكلام الناس. ومن ذلك تحديد موضع النزاع وتحريره.
    ثانيًا : اتصاف الراد بالإخلاص والتجرد لله تعالى في رده وبعده عن الهوى والعصبية والتشفي، وهذا يلزم عليه أشياء كثيرة من أهمها:
    العدل مع المخالف وإنصافه، وتجنب ظلمه وإهدار حقه وما عنده من المحاسن. وهذا يقتضي الحذر من الهوى والتعصب الأعمى.
    وقد ذكر الشوكاني - رحمه الله تعالى - بعض الأسباب التي تؤدي إلى عدم العدل والإنصاف فقال: «واعلم أن أسباب الخروج عن دائرة الإنصاف والوقوع في موبقات التعصب كثيرة جدًا منها:
    [ أ ] نشأة طالب العلم في بيئة تمذهب أهلها بمذهب معين، أو تلقوا عن عالم مخصوص، فيتعصب ولا ينصف.
    [ب] حب الشرف والمال، ومداراة أهل الوجاهة والسلطان، والتماس ما عندهم، فيقول ما يناسبهم ولا ينصف.
    [جـ] الخوض في الجدال والمراء مع أهل العلم، والتعرض للمناظرات، وطلب الظهور والغلبة، فيقوى تعصبه لما أيده ولا ينصف.
    [ د ] الميل لمذهب الأقرباء، والبحث عن الحجج المؤيدة له، للمباهاة بعلم أقربائه، فيتعصب حتى لخطئهم ولا ينصف.
    [ هـ ] الحرج من الناس في الرجوع عن فتوى قالها، أو قول أيده واشتهر عنه، ثم تبين بطلانه، فيتعصب دفعًا للحرج ولا ينصف.
    [ و ] الزلة في المناظرة مع من هو أصغر سنًّا، أو أقلّ علمًا وشهرة، تجعله يتعصب للخطأ ولا ينصف.
    [ ز ] التعلق بقواعد معينة يصحح ما وافقها، ويخطئ ما خالفها، وهي نفسها غير مسلمة على الإطلاق؛ فيتعصب بالبناء عليها ولا ينصف.
    [ ح ] اعتماد أدلة الأحكام من كتب المذاهب؛ لأنه سيجد ما يؤيد المذهب باستبعاد دليل المخالف، فيتعصب ولا ينصف.
    [ ط ] الاعتماد في الجرح والتعديل على كتب المتعصبين؛ إذ يعدلون الموافق، ويجرحون المخالف، فمن بنى على كتبهم يتعصب ولا ينصف.
    [ي] التنافس بين المتقاربَيْن في الفضيلة أو المنزلة، قد يدفع أحدهما لتخطئة صواب الآخر تعصبًا ومجانبة للإنصاف.
    [ك] الاعتماد على الآراء والأقوال - من علم الرأي - المخلوطة بعلوم الاجتهاد كأصول الفقه مما يترتب عليه تعصب للرأي وخروج عن الإنصاف»(1).
    والإخلاص يقتضي الحذر من الكيل بمكيالين: مكيال للنفس يَستوفي فيه، ومكيال للمخالف يُخسره فيه يبخسه حقه.
    «عند تقويم مواقف الرجال كم نستنكر سلوكًا لرجل نخالفه، ثم تمر السنون، ويدور الزمان دورته، ويصدر نفس السلوك في موقف مشابه من رجل نحبه ونتفق معه، فنعلل له ونبرر ونحسن الظن، بل ونكبر حكمته التي قد لا تدركها عقولنا!!! لماذا نقبل الشيء نفسه من امرئ ونعده عيباً في غيره؟!!!
    قد تجد بعض الناس يبالغون في حب امرئ ومديحه، وقد لا يتركون شرفًا في الدنيا إلا وينسبونه إليه، وتمر أقدار، وبالخلطة والمعايشة الطويلة في السفر والحضر، والتعامل بالدرهم والدينار، وبالدخن والوساوس .. يغدو المادح قادحًا، والمزكي جارحًا، والممدوح مذمومًا .. صور كثيرة من هذه الأصناف نشهدها في بعض الوعاظ والخطباء والموجهين والناصحين الذين يرون في ما يقومون به واجبًا شرعيًا لا يسكت عنه، فإذا ألقيت النصيحة والموعظة إليه، وطرقت سمعه وانهالت التعليمات عليه صار ذلك من سوء الأدب أو سوء الظن به، أو الظلم والتجريح المنهي عنه شرعًا؛ نرى ذلك في الشرح لعيوب الناس ونواياهم، ويسمي تشريحه هذا تقويمًا وتعديلاً، فإذا وضع هو على المشرحة والتقويم سماها غيبة ونميمة، وعدم ستر العيوب بالنصيحة سرًا ...»(2) وغيرها من صور الكيل بمكيالين.
    والإخلاص يقتضي حرص الرَّاد على سلامة قلبه نحو المخالف، وأن يحذر من التشفي في الرد والخصومة؛ لأن الإخلاص يقتضي حب الخير للناس والرحمة والشفقة بهم. وهذا شأن أهل السنة والاتباع المخلصين؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق»(3)، وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر»(4).
    وهذا ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما يذكر عن نفسه أنه يحب الخير للمسلمين في كل مكان ولو لم يكن يعرفهم أو ينتفع بالخير الذي أصابهم.
    فعن ابن بريدة الأسلمي قال: «شتم رجل ابن عباس فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وإن في ثلاث خصال: إني لآتي على الآية في كتاب الله فلوددت أن جميع الناس يعلمون ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح، ولعلي لا أقاضي إليه أبدًا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح وما لي به سائمة»(5).
    ثالثاً: الحذر من ردود الأفعال التي قد تذهب بالرَّاد إلى طرف آخر مقابل للمردود عليه متجاوزًا حد التوسط والتوزان والاعتدال.
    رابعًا: قبول ما يظهر على لسان المخالف من الحق والفرح به وبإصابته للحق ورد الباطل من كلامه وتفنيده.
    قال رجل لابن مسعود رضي الله عنه: أوصني بكلمات جوامع، فكان مما أوصاه به أن قال: «... ومن أتاك بحق فأقبل منه وإن كان بعيدًا بغيضًا، ومن أتاك بالباطل فاردده وإن كان قريبًا حبيبًا»(6).
    ويقول الشيخ بكر أبو زيد في وصاياه للدعاة: «التزم الإنصاف الأدبي بأن لا تجحد ما للإنسان من فضل، وإذا أذنب فلا تفرح بذنبه، ولا تتخذ الوقائع العارضة منهية لحال الشخص، وباتخاذها رصيدًا ينفق منه الجرَّاح في الثَّلب، والطعن، وأن تدعو له بالهداية. أما التزيد عليه، وأما البحث عن هفواته، وتصيدها، فذنوب مضافة أخرى. والرسوخ في الإنصاف بحاجة إلى قدر كبير من خلق رفيع ودين متين»(7).
    خامسًا: لا يؤخذ المخالف بلازم قوله؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب. أي أن ما يلزم على كلام المخالف من لوازم باطلة لا يجوز أن تنسب إليه بمجرد أنها من لوازم قوله؛ فإن هذا من الظلم، كمن يلزم من أحل النبيذ بلازم قوله وهو استحلال ما حرم الله عز وجل، أو من لم ير الجمع بين الصلاتين في السفر بأنه يرد السنة ويهجرها. ولا يلزم أحد بلازم قوله حتى يتبناه صراحة ويعبر عنه بنفسه، أو أن يسأل فيجيب فيكون منطوق لسانه حجة عليه. وإنما يستخدم ذكر لوازم الأقوال لإبطالها، وبيان غلط وتناقض المردود عليه لكي يتراجع عن كلامه.
    يقول ابن حزم - رحمه الله تعالى -: «وأما من كفَّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم، وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفرًا، بل قد أحسن إذ قد فر من الكفر .. فصح أنه لا يكفر أحد إلا بنفس قوله، ونص معتقده، ولا ينفع أحد أن يعبر عن معتقده بلفظ يحسن به متجه، لكن المحكوم به هو مقتضى قوله فقط»(Cool.
    سادسًا: الحرص في نقد المخالف على وصف مقالته ونقدها والرد عليها، دون التعرض لشخصه أو نيته ومقصده، إلا إذا ظهرت قرائن قوية تدل على فساد النية وخبث الطوية.
    سابعًا : الاعتناء الشديد بالدقة في التعبير والإفهام - سواء كان مشافهة أو كتابة - والبعد في الردود عن الألفاظ الغريبة الغامضة، أو الحمالة حتى لا يفهم كلام الراد على غير ما أراد.
    وهم الذين أفرطوا في نقد الأخطاء وأصحابها حتى جعلوا من الفروع أصولاً ومن بعض الجزئيات كليات. وجعلوا همَّهم تصيد الأخطاء والفرح بها وتضخيمها، ولم يرحموا من وقع فيها من طلاب العلم بل جاروا عليهم في ذلك حتى أساءوا الظن بهم، وبنواياهم، ومقاصدهم، وبخسوهم حقهم، وأهدروا حسناتهم وما لهم من بلاء وجهاد ودعوة وعلم وعمل وتعليم. ولا يخفى ما في هذا الموقف من عدوان، ومجانبة للعدل والإنصاف. وفي أمثال هؤلاء يقول الشعبي - رحمه الله تعالى-: «والله لو أصبتُ تسعًا وتسعين مرة، وأخطأت مرة لأعدُّوا علي تلك الواحدة»(1).
    ولو أن هؤلاء المنتقدين حاسبوا أنفسهم، وسألوها حينما يخطئون هل يودون أن يعاملهم إخوانهم بهذا المنهج الجائر كما يعاملون غيرهم لكان في ذلك سببًا لمراجعة أنفسهم، واكتشافهم لهذا المنهج الخاطئ في نقد الرجال ومعالجة الأخطاء.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «فليس من شرط أولياء الله المتقين أن لا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفورًا لهم، بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقًا، بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة.
    وقد قال الله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الزمر:33-35). فقد وصفهم الله بأنهم متقون. و(الْمُتَّقُونَ) هم أولياء الله. ومع هذا فأخبر أنه يكفر عنهم أسوء الذي عملوا. وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم والإيمان»(2).
    ويعلق الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - على قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:Cool فيقول: «فإذا كان قد نهى عباده أن يحملهم بغضهم لأعدائه أن لا يعدلوا عليهم مع ظهور عداوتهم ومخالفتهم وتكذيبهم لله ورسوله فكيف يسوغ لمن يدعي الإيمان أن يحمله بغضه لطائفة منتسبة إلى الرسول تصيب وتخطئ على أن لا يعدل فيهم، بل يجرد لهم العداوة وأنواع الأذى، ولعله لا يدري أنهم أولى بالله ورسوله وما جاء به منه علمًا وعملاً، ودعوة إلى الله على بصيرة، وصبرًا من قومهم على الأذى في الله، وإقامة الحجة لله ومعذرة لمن خالفهم بالجهل»(3).
    وأسوق بهذه المناسبة تلك المحاورة النافعة التي بيَّن فيها المسور بن مخرمة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بعض عيوبه، وماذا رد عليه معاوية في ذلك لتكون منهجًا في معالجة أخطائنا.
    عن عقيل، ومعمر، عن الزهري، حدثني عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية، فقضى حاجته، ثم خلا به، فقال: يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال: دعنا من هذا وأحسن. قال: لا والله، لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب عليَّ. قال مسور: فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينت له. فقال: لا أبرأ من الذنب. فهل تعدُّ لنا يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامة؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعدُّ الذنوب، وتترك الإحسان؟ قال: ما تُذكر إلا الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوبٌ في خاصتك تخشى أن تُهلكك إن لم تغفر؟ قال: نعم. قال: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أُخيَّر بين أمرين: بين الله وبين غيره، إلا اخترتُ الله على ما سواه، وإني لعلى دين يقبل فيه العملُ، ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها، قال: فخصمني. قال عروةُ: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلَّى عليه(4).
    الطرف الثاني: أهل التفريط والإضاعة:
    وهؤلاء وإن كانوا قد فرَّطوا في الأخذ بالحق ورد الباطل، والتقليد الأعمى، إلا إنهم وقعوا في المقابل في الغلو في الرجال والتعصب لأخطائهم ولسان حالهم يقول بالعصمة لمن قلدوهم.
    ولذا ترى الواحد منهم يزعجه ويكدر خاطره إذا قيل إن شيخه وأستاذه مخطئ في بعض ما ذهب إليه من قول أو عمل، ويدفعه تعصبه لشيخه وغلوه في محبته له وتأدبه معه إلى تصحيح كل ما يقول أو يفعل مبررًا ذلك بمبررات سامجة متكلفة.
    يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في وصف أهل الطرفين السابقين بعد أن ذكر فضل أئمة الإسلام: «... وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا بمبلغ علمهم - والحق في خلافها - لا يوجب اطراح أقوالهم جملة، وتنقصهم والوقيعة فيهم؛ فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما، فلا نؤثِّم ولا نَعْصِم، ولا نسلك بهم مسلك الرافضة في علي رضي الله عنه ولا مسلكهم في الشيخين رضي الله عنهما»(5).
    وينتقد - رحمه الله تعالى - هذين الطرفين بصورة أوضح في معرض ردِّه على بعض الشطحات التي وقع فيها الهروي - رحمه الله تعالى - في منازل السائرين، وانقسام الناس في تعاملهم مع هذه الشطحات فيقول: «شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه، وكل من عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك، ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله ثم نبين ما فيه ... [إلى أن قال]: هذا ونحوه من الشطحات التي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات، ويستغرقها كمال الصدق وصحة المعاملة وقوة الإخلاص وتجريد التوحيد، ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس:
    إحداهما: حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم، وصدق معاملتهم؛ فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار. وأساءوا الظن بهم مطلقًا؛ وهذا عدوان وإسراف؛ فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة، وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات، والحكم، وتعطلت معالمها.

    والطائفة الثانية: حُجبوا بما رأوه من محاسن القوم، وصفاء قلوبهم، وصحة عزائمهم، وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم، ونقصانها، فسحبوا عليها ذيل المحاسن، وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها، واستظهروا بها في سلوكهم. وهؤلاء أيضاً معتدون مفرطون.
    والطائفة الثالثة: - وهم أهل العدل والإنصاف - الذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته؛ فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل، وردُّوا ما يرد»(6).
    ويقول الشيخ سلمان العودة - حفظه الله تعالى - في هذا المقام: «... ففي مجال الجرح والتعديل المعاصر تعود الكثيرون إما أن يثقوا بالرجل ثقة مطلقة لا مثنوية فيها، ويقلدوه في الجليل والحقير وإما أن يسقطوه من الحساب، فلا يقبلوا منه صرفًا ولا عدلاً. ومن عجب أنهم أحيانًا ينتقلون من النقيض إلى النقيض، فذاك الذي كان بالأمس ملء أسماعنا وأبصارنا، أصبحنا اليوم لا نملك إزاءه سمعًا ولا بصرًا! وهذه من ثمرات الاندفاع العاطفي غير البصير؛ فإن العاطفة إذا طغت سريعة التقلب لا تعرف الاستقرار والثبات.

    سمعت أحدهم يقول على لسان طائفة: فلان أخطأ في مسألة كذا فلا نسمع منه شيئًا! حسنًا .. إذاً فأنتم لا تسمعون إلا من المعصومين؟! ومن أين لكم بهم؟! لا سبيل أمامكم إلا أحد سبيلين:
    أولهما: ألا تستمعوا من أحد؛ لأنه ما من أحد إلا ويخطئ، قلّ خطؤه أم كثر، ومعنى ذلك أن تعتمدوا على أنفسكم فلا تنتفعوا بشيخ، ولا تجلسوا إلى فقيه، ولا تسمعوا إلى داع ولا تقتبسوا من مفكر، ثم من قال إنكم لا تخطئون؟ ولِمَ لَمْ تفترضوا أن المسألة التي تنقمونها على فلان أو فلان أنه هو المصيب وأنتم المخطئون؟

    أما السبيل الثاني: فهو أن تسلكوا مسلك الفرق الضالة التي اخترعت لها «معصومين» وإن كانوا في الحقيقة «معدومين»، وجعلت قولهم تشريعًا، والرَّاد عليهم رادًا على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله، ولا يستغربن هذا الكلام أحد، أو يظن أنه يستحيل أن يحدث من بعض المسلمين؛ فإن من الناس من يقول هذا بلسان الحال إن لم يقله بلسان المقال»(7).
    ويقول - حفظه الله تعالى - في موطن آخر مبينًا ظهور طرفي الإفراط والتفريط في المواقف من الكتب، والمؤلفات، وما فيها من أخطاء المؤلفين فيقول: «هل يتربى قراؤنا - وخاصة من الشباب - على «الموضوعية» والاعتدال في أحكامهم على الكتب؛ بحيث يستطيع القارئ أن يأخذ من الكتاب جوانبه الإيجابية التي أصاب فيها، ويدع ما سوى ذلك، أم أن الشباب - أعني كثيرًا منهم - لا يبيعون ويشترون إلا «بالجملة»! فإما أن يكون الكتاب كله موثقًا ومعتمدًا، وإما أن يكون خطأً وباطلاً. ونحن أناس لا توسط بيننا!

    وصلة الكتاب بالمؤلف عريقة وعميقة .. ولذا فإن البعض يتعامل مع الكتب من خلال مؤلفيها فحسب؛ فمؤلفات زيد كلها حسنة ومفيدة، ومؤلفات عبيد كلها على الضد من ذلك. نعم .. هنالك مؤلفون غالب ما يكتبونه صالح، وهناك آخرون لا يحسنون إلا الهدم، فلا يأتي من يحتج مثلاً بمؤلفات أهل الضلالة .. لا. الكلام في مجال الدراسات الإسلامية وما يتعلق بها. وغيرها له حديث آخر، ومن الناحية الواقعية فإن أي كتاب - غير كتاب الله تعالى - لا يسلم من الخطأ والنقص مهما بالغ مؤلفه في تحريره والعناية به»(Cool.
    الموقف العدل الوسط المتوازن:
    وأهله هم الذين ذكرهم ابن القيم - رحمه الله تعالى - في ما سبق وسماهم بالطائفة الثالثة حيث قال عنهم: «وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح؛ بل قبلوا ما يُقبل، وردوا ما يرد»(9) ا.هـ.
    أي أنهم لم يقعوا فيما وقع فيه أهل الغلو والإفراط المضخمين للأخطاء، المهدرين لحق من وقع منه الخطأ، والمهدرين لحسناتهم، المتهمين لنياتهم، بل حفظوا لهم حقوقهم، ولم ينسوا لهم بلاءهم وجهادهم وحسناتهم، ووضعوا أخطاءهم في حجمها الذي تستحقه، ووازنوا بين حسناتهم وسيئاتهم. وفي المقابل لم يذهبوا إلى تقديس الأشخاص، وادعاء العصمة لهم - سواء بلسان المقال أو الحال - بل نظروا للمخطئين بأنهم غير معصومين، ولم يدفعهم حبهم وأدبهم مع شيوخهم إلى تقليدهم في كل ما يقولونه، أو أن يسحبوا ذيل الحسن على كل ما يفعلونه.
    النموذج الثاني: قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي؛ ناظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة(2).
    النموذج الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: «يا يونس إذا بلغك عن صديق لك ما تكرهه فإياك أن تبادره العداوة وقطع الولاية فتكون ممن أزال يقينه بشك، ولكن ألقه وقُلْ له: بلغني عنك كذا وكذا، واحذر أن تسمي له المبلّغ؛ فإن أنكر ذلك فقل له: أنت أصدق وأبر. لا تزيدن على ذلك شيئًا، وإن اعترف بذلك فرأيت له في ذلك وجهًا لعذر فاقبل منه، وإن لم تر ذلك فقل له: ماذا أردت بما بلغني عنك؟ فإن ذكر ما له وجه من العذر فاقبل منه، وإن لم تر لذلك وجهًا لعذر وضاق عليك المسلك فحينئذ أثبتها عليه سيئة، ثم أنت في ذلك بالخيار؛ إن شئت كافأته بمثله من غير زيادة، وإن شئت عفوت عنه والعفو أقرب للتَّقوى وأبلغ في الكرم؛ لقول الله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: من الآية40) فإن نازعتك نفسك بالمكافأة فأفكر فيما سبق له لديك من الإحسان فعدها ثم ابدر له إحسانًا بهذه السيئة، ولا تبْخَسنّ باقي إحسانه السالف بهذه السيئة؛ فإن ذلك الظلم بعينه. يا يونس إذا كان لك صديق فشد يديك به، فإن اتخاذ الصديق صعب ومفارقته سهل»(3).
    النموذج الرابع: قال الذهبي في ترجمته لصاحب الأندلس الناصر لدين الله: «وقد كنتُ ذكرتُ ترجمَتَه مع جدِّهم، فأعدتُها بزوائدَ وفوائد، وإذا كان الرأس عاليَ الهمَّة في الجهاد، احتُملت له هَنَات، وحسابُه على الله، أما إذا أمات الجهاد، وظلَمَ العباد، وللخزائن أباد، فإنَّ ربَّك لبالمرصاد»(4).
    منتديات خالد عبدالناصر


      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 2:24 am