منتديات خالد عبدالناصر

إذا كنت تحب السرور في الحياة فاعتن بصحتك، وإذا كنت تحب السعادة في الحياة فاعتن بخلقك، وإذا كنت تحب الخلود في الحياة فاعتن بعقلك، وإذا كنت تحب ذلك كله فاعتن بدينك.


    الصلح بين الناس وصية ربانية

    شاطر


    نقاط : 0
    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    الصلح بين الناس وصية ربانية

    مُساهمة   في الثلاثاء يونيو 15, 2010 7:04 am

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

    فإن المتأمل في أحوال الناس، يجد أن المجتمعات لا تخلو من المشاكل، وأن الكثير من الاعتداءات على الأرواح وضياع الحقوق وتشتت أفراد الأسرة الواحدة، إنما يرجع أكثره إلى التهاون في الإصلاح بين المتخاصمين، حتى عمَّ الشَرُّ؛ القريبَ والبعيد، وأُهلِكت النفوس والأموال وقطع ما أمر الله به أن يوصل، وقد كان يكفي لإزالة ما في النفوس من الأضغان والأحقاد والكراهية، كلمةٌ واحدةٌ من عاقل لبيب، ناصح مخلص، تقضي على الخصومات في مهدها فيتغلب جانب الخير ويرتفع الشر ويسلم المجتمع من التصدع والانشقاق.

    الصلح بين الناس وصّية ربَّانيةٌ

    قال تعالى: [ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا ]

    [النساء: 85]

    قال الإمام القرطبي رحمه الله: "من شفع شفاعة حسنة لصلح بين اثنين، استوجب الأجر".

    [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي / ج5 ص295]

    وقال سبحانه: [ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم ]

    [البقرة: 224]

    قال الإمام ابن جرير الطبري- رحمه الله: لا تجعلوا الله قوة لأيمانكم في أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس، ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خير مما حلف عليه مِنْ ترك البر والإصلاح بين الناس، فليحنث في يمينه، وليبر، وليتق الله، وليصلح بين الناس.
    وقال جل شأنه: [ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ]

    [النساء: 114]

    قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: "لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا إلا من أمر بصدقة أو معروف، والمعروف هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البِّر والخير"، أو إصلاح بين الناس، وهو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين بما أباح الله الإصلاح بينهما ليتراجعا إلى ما فيه من الألفة واجتماع الكلمة على ما أذن الله وأمر به ومن يأمر بصدقة أو معروف من الأمر أو يصلح بين الناس ابتغاء مرضاة الله، فسوف نعطيه جزاءً لما فعل من ذلك عظيمًا، ولا حَدَّ لمبلغ ما سمى الله عظيمًا يَعْلَمهُ سواه.

    الصُّلْحُ في السُّنَّة

    روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: ( كل سُلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة ).

    [البخاري حديث / 2989- مسلم حديث / 1009]

    قال الإمام النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم : ( تعدل بين الاثنين صدقة ) أي تصلحُ بينهما بالعدل.

    [مسلم بشرح النووي / ج4 ص103]

    وروى أبو داود عن أبي الدرداء أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين الحالقة ).

    [حديث صحيح، صحيح أبي داود للألباني حديث / 4111]

    قال محمد شمس الحق العظيم آبادي رحمه الله: في هذا الحديث حث وترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب الإفساد فيها، لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفريق بين المسلمين، وفساد ذات البين ثُلْمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها، نال درجة فوق ما يناله الصائم القائم، المشتغل بخويصة نفسه.

    [عون المعبود شرح سنن أبي داود / ج13 ص178]

    جواز الأخذ من الزكاة للصلح بين الناس:

    مما يدل على عناية الشريعة الإسلامية بالصلح بين الناس أنه يجوز للمصلح بين المتخاصمين أن يُعْطَى من الزكاة أو من بيت المال لأداء ما تحمله من ديون في سبيل الإصلاح بين الناس.قال تعالى: [ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ]

    [التوبة: 60]

    قال الإمام القرطبي رحمه الله عند تفسيره لقوله تعالى: "والغارمين" يجوز للمتحمل في صلاح وبر أن يُعْطى من الصدقة ما يؤدى ما تحمل به إذا وجب عليه وإن كان غنيًا، إذا كان يَجحفُ بماله كالغريم، وهو قول الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم.

    [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي / ج8 ص171]

    روى مسلم عن قبيصة بن فخارق الهلالي قال: ( تحملت حمالة، فأتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها". ثم قال: "يا قبيصة: إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ). [مسلم حديث / 1044]

    جماعة الإصلاح بين الناس:

    إن الله تعالى أكمل لنا الدين وأتم علينا نعمته وبين لنا المنهج القويم لنسير عليه ليصبح المجتمع الإسلامي مجتمعًا تسوده المودة والمحبة، ولذا ينبغي أن يكون في كل حي وفي كل شركة أو مصنع أو مدرسة أو مؤسسة حكومية أو خاصة، جماعة من أهل الدين والفضل والعلم تقوم بالإصلاح بين المتخاصمين، وتوقف الظالم عن ظلمه وترده إلى رشده وصوابه، وقد حثنا الله تعالى على ذلك في كتابه العزيز، فقال سبحانه: [ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ]

    [آل عمران: 104]

    وقال جل شأنه: [ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ]

    [الأعراف: 181]

    وينبغي لهذه الطائفة المباركة أن تبذل من وقتها وأموالها قدر طاقتها لحل المنازعات بين الناس، ولتعلم هذه الجماعة المباركة أن لها منزلة عالية عند الله يوم القيامة.روى مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المقسطين، عند الله، على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا ).

    [مسلم حديث / 1827]

    صفات مَنْ يُصِلحُ بين الناس:

    ذكر أهل العلم صفات ينبغي توافرها فيمن يتصدى للإصلاح بين المتخاصمين، يمكن أن نجملها فيما يلي:

    أولاً: إخلاص العمل لله وحده:

    قال تعالى: [ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ]

    [الأنعام: 162، 163].

    وقال سبحانه: [ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ]

    [الزمر: 65، 66]

    وروى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ). [البخاري / 1]

    ثانيًا: العلم:

    يجب على من يتصدى لمهمة الإصلاح بين الناس أن يكون على علم بأحكام الشريعة الإسلامية في القضية التي يصلح فيها وأن يكون على علم بأحوال من يصلح بينهم، حتى يقتصر تصرفه في حدود الشرع، ولأنه إذا كان جاهلاً بهذه الأمور فإنه سوف يفسد أكثر مما يصلح.

    ثالثًا: الرفق وحسن الخُلُق:

    قال تعالى: [ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ]

    [النحل: 125]

    روى مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ).

    [مسلم / 2594]

    رابعًا: الصبرُ وتحمل الأذى:

    إن الصبر وتحمل الأذى من الصفات الهامة التي يجب أن يتحلى بها من يصلح بين الناس، فالمعتاد لن يقوم بهذه المهمة السامية أن يصيبه أذى ولو كان قليلاً ويتضح هذا جليًا في وصية لقمان لابنه، قال تعالى: [ يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ]

    [لقمان: 17]

    جواز الكذب للصلح بين الناس:

    روى الشيخان عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: ( سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: ليس الكذاب الذي يُصلحُ بين الناس ويقول خيرًا، وينمى خيرًا ).

    [البخاري / حديث 2692- مسلم واللفظ له حديث / 2605]

    قال الإمام النووي رحمه الله: ليس الكذاب المذموم الذي يصلح بين الناس، بل هذا محسن. قال سفيان بن عيينة رحمه الله: لو أن رجلاً اعتذر إلى رجل، فحرف الكلام وحسنه ليرضيه بذلك لم يكن كاذبًا، يتأول الحديث: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس"، فإصلاحه ما بين صاحبه أفضل من إصلاحه ما بين الناس.

    [شرح السنة للبغوي / ج13 ص119]

    الصلح بالتنازل عن بعض الحقوق:

    ينبغي لمن يتصدى لمهمة الإصلاح بين الناس أن يحثهم على التنازل عن بعض حقوقهم، ابتغاء وجه الله واتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم .

    عن البراء بن عازب قال: ( لما صالح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية كتب علي بن أبي طالب بينهم كتابًا، فكتب: محمد رسول الله، فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولاً لم نقاتلك، فقال لعلي: "امحه"، فقال علي: ما أنا بالذي أمحاهُ، فمحاه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيده وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، ولا يدخلوها إلا حُلُبَّان السلاح، فسألوه: ما حُلُبَّان السلاح؟ فقال: القِراب بما فيه ).

    [البخاري / 2698]

    تأمل أخي الكريم: كيف تنازل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن حقه من أجل الصلح.

    ( عن كعب بن مالك أنه تقاضى من ابن أبي حدرد دينًا كان عليه في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في بيته، فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى كعب بن مالك، فقال: "يا كعب"، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضَع الشطر، فقال: قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : "قم فاقضه" ).

    [البخاري / 2710، مسلم / 1558]

    أخي الكريم: مَن منا يفعل كما فعل كعب بن مالك؟ !

    خير الناس الذي يبدأ بالصلح :

    إن الإسلام هو دين المودة والتسامح، ولذا ينبغي للمسلم، الذي يحب الله ورسوله ويحب الخير لنفسه ولإخوانه المسلمين أن يبادر بالصلح مع من خاصمه، فيصل من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه، وليعلم أن له منزلة عظيمة عند الله تعالى، قال سبحانه: [ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ]

    [فصلت: 34، 35]

    عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال: يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ).

    [البخاري / 6077، ومسلم / 255]

    تأجيل الصلح يؤخر مغفرة الذنوب:

    عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( تفتحُ أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا ).

    [مسلم حديث / 2565]

    والصلح المخالف للشرع مردود: يجب أن يكون الصلح بين المتخاصمين على أساس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعلى المتخاصمين أن يسلما لحكم أهل الإصلاح طالما كان ذلك موافقًا للكتاب والسنة وإن خالف أهواءهم.وأما إذا كان الصلح مخالفًا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو مردود على أصحابه وإن رضي به المتخاصمون. عن عمرو بن عوف المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حَرَّم حلالاً أو أحلَّ حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرَّم حلالاً أو أحل حرامًا ).

    [حديث صحيح: صحيح الترمذي / حديث 1089]
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين سبتمبر 25, 2017 11:40 pm