منتديات خالد عبدالناصر

إذا كنت تحب السرور في الحياة فاعتن بصحتك، وإذا كنت تحب السعادة في الحياة فاعتن بخلقك، وإذا كنت تحب الخلود في الحياة فاعتن بعقلك، وإذا كنت تحب ذلك كله فاعتن بدينك.


    شكوى النبي الكريم من هجر القرآن العظيم

    شاطر


    نقاط : 0
    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    شكوى النبي الكريم من هجر القرآن العظيم

    مُساهمة   في الثلاثاء نوفمبر 02, 2010 2:13 pm

    شكوى النبي الكريم من هجر القرآن العظيم
    عبد الحميد بن باديس



    ((وقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً)) [الفرقان: 30].
    المناسبة:
    لما ذكر - تعالى - ما قاله المشركون من الباطل في معارضة القرآن والإعراض والصد عنه، وما قالوه من عبارات الحسرة والندامة يوم القيامة على ما كان منهم من ذلك في الدنيا ذكر ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشـكـوى لـربـه بهـم من تركـهم للقرآن العظيم وهجره.
    المفردات:
    مهجوراً: متروكاً مُقاطَعاً مرغوباً عنه. الرسول - صلى الله عليه وسلم -: محمد. وقومه: قريش.
    التراكيب:
    في قوله ((يا رب)): إظهار لعظيم التجائه وشدة اعتماده وتمام تفويضه لمالكه، ومدبر أمره ومُوالي الإنعام عليه.
    وفى التعبير عنهم بقومه وإضافتهم إليه، وفى التعبير عن القرآن باسم الإشارة القريب بيان لعظيم جرمهم، فتركهم للقرآن - وهو قريب في متناولهم - وقد أتاهم به واحد منهم أقرب الناس إليهم؛ فصدوا وأبعدوا في الـصد عـمـن هو إليهـم قـريـب مـن قريب. وهذا أقبح الصد وأظلمه. وفى قوله ((اتخذوا))..الخ بيان أنهم جعلوا الهجر ملازماً له ووصفاً من أوصافه عندهم، وذلك أعظم من أن يقال هجروه، الذي يفيد وقوع الهجران منهم دون دلالة على الثبوت والملازمة.
    المعنى:
    وقال الرسول شاكياً لربه إن قومي - الذين أرسلتني إليهم بالقرآن لأتلوه عليهم - قد صدوا عنه؛ فتركوه وثبتوا على تركه وهجره.
    استنتاج وعبر:
    في شـكـوى النبي - صلى الله عليه وسلم - من هجر القرآن دلـيـل على أن ذلك من أصـعـب الأمور عليه وأبغضها لديه، وفى حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للهاجرين بإنزال العـقـاب بهم إجابة لشكوى نبيه، ولما كان الهجر طبقات، أعلاها عدم الإيمان به فلكل هاجر حظه من هذه الشكوى وهذا الوعيد.
    تنزيل:
    ونحـن - معـشـر المسلمين - قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل وإن كنا به مؤمنين، بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة؛ فهجرناها، وقلنا تلك أدلة سمـعـية لا تحصل اليقين، وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعددة واصطلاحاتها المحدثة مما يصعب أمره على الطلبة فضلاً عن العامة، وبيّن القرآن أصول الأحكام وأمهات مسائل الحلال والحرام ووجوه الـنظـر والاعـتـبار، مع بيان حِكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام؛ فهجرناها واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفني الأعمار قبل الوصول إليها، وبيّن القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها ومساوىء الأخـلاق ومـضـارهـا، وبين السبيل للتخلي عن هذه والتحلي بتلك مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس، والسلامة من الخيبة بتدسيتها؛ فهجرنا ذلك كله، ووضعنا أوضاعاً من عند أنفسنا، واصطلاحات من اختراعاتنا، خرجنا في أكثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطع، وعن السنة البيضاء إلى الإحداث والتبدع، وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي، والتخيل الفلسفى ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام، وألقى بين أهلها بذور الشقاق والخصام، وآل الحال بهم إلى الخروج من أثقال أغلالها، والاقتصار على بقية رسومها للانتفاع منها ومعارضة هداية القرآن بها.
    وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه، ونبهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة لننظر ونبحث ونستفيد ونعمل؛ فهجرنا ذلك كله إلى خريدة الـعـجائـب وبـدائـع الزهور والحوت والصخرة وقرون الثور!، ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه والتفكر في آياته، ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه؛ فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتـبـيـيـنه، فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير - كتفسير الجلالين مثلاً - بل ويصير مدرساً متصدراً ولم يفعل ذلك.
    وفي جامع الزيتونة - عمّره الله - تعالى - إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس تفسير فإنه - ويا لَلمصيبة! - يقع في خصومات لفظية بين الـشـيخ عبد الحكـيـم وأصحـابـه في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها من قبل؛ فيقضي في خصومة من الخصومات أياماً أو شهوراً، فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلاً دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير، وإنما قضى سنته في الممـاحكـات بدعـوى أنها تطبـيـقات للقواعد على الآيات، كأن التفسير إنما يُقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية لا لأجـل فـهـم الشرائع والأحكام الإلهية. فهذا هجر آخر للقرآن مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن.
    وعلَّمنا القرآن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المبين للناس ما نزل إليهـم من ربـهـم، وأن عليهم أن يأخذوا ما آتاهم وينهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العمليـة والـقـولـيـة تالية للقرآن؛ فهجرناها كما هجرناه وعاملناها بما عاملناه، حتى إنه ليقلّ في المتصدرين للـتـدريـس من كبار العلماء في أكبر المعاهد - مَن يكون قد ختم كتب الحديث المـشـهـورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها مطالعة فضلاً عن غيرهم من أهل العلم وفضلاً عن غيرها من كتب السنة.
    وكم وكم وكم بيّن القرآن، وكم وكم وكم قابلناه بالصد والهجران!
    بيان واستشهاد:
    شر الـهـاجـرين للـقـرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به ويصرفون وجوه الناس إليهم وإلى ما وضعوه عنه؛ لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم؛ فكان شرهم مـتعديـاً وبلاؤهم متجاوزاً وشر الشر وأعظم البلاء ما كان كذلك، وفي هؤلاء جاء ما ذكره الإمـام ابـن القيم -في كتاب "إعلام الموقعين" - عن حماد بن سلمة ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة عن معاذ بن جبل قال: "تكون فتن؛ فيكثر المال ويفتح القرآن حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغيـر والكبـير والمنافق والمؤمن فيقرؤه الرجل فلا يتبع؛ فيقول والله لأقـرأنـَّه علانـيـة فلا يـتـبع فيتخذ مسجداً ويبتدع كلاماً ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإياكم وإياه فإنه بدعة وضلالة". قاله معاذ ثلاث مرات. اهـ.
    فانظر في قطرنا وفى غير قطرنا، كم تجد ممن بنى موضعاً للصلاة ووضع كتباً من عنده أو مما وضعه أسلافه من قبله وروجها بين أتباعه، فأقبلوا عليها وهجروا القرآن وربما يكون بعضهم قصد بما وضع النفع فأخطأ وجهه، إذ لا نفع بما صرف عباد الله عن كتاب الله، وإنما يُدعى لله بكتاب الله، ولذلك سمي صنيع هذا الواضع بدعة وضلالة، وحذر معاذ منه وأكد في التحذير بالتكرير. وهذا الحديـث وإن كان موقـوفـاً على معاذ - فهو في حكم المرفوع؛ لأنه إخبار بمغيب مستقبل، وهذا ما كان يعلمه الصـحـابـة -رضـوان الله - تعالى -عليهم - إلا بتوقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد تحقق مضمونه في المسلمين منذ أزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
    سبيل النجاة:
    لا نجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه إلا بالرجوع إلى القرآن، إلى علمه وهديه، وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه، والتـفـقـه فـيـه وفي الـسـنـة الـنـبويـة شرحه وبـيـانـه، والاستـعانـة على ذلك بإخلاص القصد وصحة الفهم والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين والاهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين، وهذا أمر قريب على من قرّبه الله عليه، يسير على من تـوكل على الله فيه، وقد بدت طلائعه - والحمد لله - وهى آخذة في الزيادة - إن شاء الله - وسبحان مَن يحيي العظام وهي رميم (1).
    ---------------
    الهوامش:
    (1) د. عمار الطالبي: ابن باديس.. حياته وآثاره، 1/406.
    المصدر: مجلة البيان العدد13.



      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين سبتمبر 25, 2017 11:39 pm